الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
153
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جملة : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ استئناف بعد استئناف قوله : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا [ النور : 19 ] والكل تفصيل للموعظة التي في قوله : يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ النور : 17 ] ؛ فابتدئ بوعيد العود إلى محبة ذلك وثني بوعيد العود إلى إشاعة القالة ، فالمضارع في قوله : يَرْمُونَ للاستقبال . وإنما لم تعطف هذه الجملة لوقوع الفصل بينها وبين التي تناسبها بالآيات النازلة بينهما من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [ النور : 21 ] . واسم الموصول ظاهر في إرادة جماعة وهم عبد اللّه بن أبي بن سلول ومن معه . و الْغافِلاتِ هن اللاتي لا علم لهن بما رمين به . وهذا كناية عن عدم وقوعهن فيما رمين به لأن الذي يفعل الشيء لا يكون غافلا عنه فالمعنى : إن الذين يرمون المحصنات كذبا عليهن ، فلا تحسب المراد الغافلات عن قول الناس فيهن . وذكر وصف الْمُؤْمِناتِ لتشنيع قذف الذين يقذفونهن كذبا لأن وصف الإيمان وازع لهن عن الخنى . وقوله : لُعِنُوا إخبار عن لعن اللّه إياهم بما قدّر لهم من الإثم وما شرع لهم . واللعن : في الدنيا التفسيق ، وسلب أهلية الشهادة ، واستيحاش المؤمنين منهم ، وحد القذف ، واللعن في الآخرة : الإبعاد من رحمة اللّه . والعذاب العظيم : عذاب جهنم فلا جدوى في الإطالة بذكر مسألة جواز لعن المسلم المعيّن هنا ولا في أن المقصود بها من كان من الكفرة . والظرف في قوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ متعلق بما تعلق به الظرف المجعول خبرا للمبتدأ في قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . وذكر شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم للتهويل عليهم لعلهم يتقون ذلك الموقف فيتوبون . وشهادة الأعضاء على صاحبها من أحوال حساب الكفار . وتخصيص هذه الأعضاء بالذكر مع أن الشهادة تكون من جميع الجسد كما قال تعالى : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [ فصلت : 21 ] لأن لهذه الأعضاء عملا في رمي المحصنات فهم ينطقون بالقذف ويشيرون بالأيدي إلى المقذوفات ويسعون بأرجلهم إلى مجالس الناس لإبلاغ القذف . وقرأ حمزة والكسائي وخلف يشهد عليهم بالتحتية ، وذلك وجه في الفعل المسند إلى ضمير جمع تكسير . وقوله : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ استئناف بياني لأن ذكر شهادة الأعضاء يثير سؤالا